logo
×


الاكتئاب

الاكتئاب هو أكثر الأمراض النفسية انتشاراً في العالم ؛ فهناك اليوم في العالم حوالي 250 مليون مصاب بالاكتئاب ، منه حوالي 25 مليون شخص في الولايات المتحدة وحدها ! أي أن هناك شخصاً من بين 15 إلى 20 مصاباً بشكل من أشكال الاكتئاب .. إنه رقم مخيف ولا شك ، ولكن هذه الحقيقة .

وبينت الدراسات أن عددت النساء المصابات يعادل ضعف عدد الرجال .. وهذا ربما بسبب الدورة الشهرية .. والاضطرابات الهرمونية المصاحبة .. واضطراب النفاس .. وسن اليأس .. وربما بسبب القهر الاجتماعي الذي تعاني منه كثير من النساء في أصقاع كثيرة من الأرض ..

ولكن الفرق الرئيسي أن النساء أكثر استجابة للعلاج ، وذلك لأنهن يفصحن عن إصابتهن أكثر من الذكور .. ويشتكين ويتذمرن من أعراض الاكتئاب أكثر من الرجال .. وبالإضافة إلى أنهن يكثرن من البكاء ، وسحِّ الدموع ، التي تبين أنها تطرح العوامل الكيميائية المولدة للاكتئاب والناتجة عن التوتر .

وترجع الأسباب المؤدية للاكتئاب إلى العوامل الوراثية ، بالإضافة إلى الأسباب الانفعالية ، فقد تبين أن أكثر المصابين به هم من الحسَّاسين نفسياً ، والمضطربين عاطفياً وسريعي الانفعال ، وهم الذين يطلبون الكمال في كل شيء ..

ومنها الأسباب التكوينية ، فقد يحصل الاكتئاب عند الإخفاق في تحقيق الآمال والطموحات ..

وكذلك عندما يعاني الشخص من الكراهية التي يكون قد تعرض لها في طفولته وبلوغه ، فهو بحاجة دوماً لأن يُحبَّ ..

ومنها الصدمات والنكبات ، وفقد الأحبة ، والابتعاد عن المنزل ، والعطالة ..

ومنها ضغوطات الحياة .. وهذه سبب جديد للاكتئاب لم يكن يظهر في القرون السابقة .. عندما كانت الحياة تسير سيراً وئيداً .. فكان الإنسان ينهض من فراشه إلى مزرعته أو حانوته ثم يعود مساءً ليأكل ثم ينام لينتظر ميلاد يوم جديد ..

ويا ليتنا واللهِ نعود إلى حياة الماضي ، ففيها الراحة والشفاء !

وهناك أسباب أخرى للاكتئاب ولكن هذه أهمها .. فلا تحزن إذا سارت الأمور التي تهمك على غير ما يُرام ! ارفق بنفسك ! تكيَّف مع واقعك ولا تعذب نفسك بنفسك وتُعرِّض نفسك لمشاكل نفسية أنت في غنى عنها ..!

يقول الدكتور كيرك ستروساهل والدكتورة باتريسيا روبنسون : ( إذا كنت تعاني من الاكتئاب الآن ، فأنت لست وحدك ، لأن الاكتئاب واحدٌ من أكثر المشاكل الصحية العاطفية المتفشية في مجتمعنا المعاصر . هناك تقدير متواضع يشير إلى أنَّ 7 % من عموم الناس يعانون من الأعراض السريرية للاكتئاب في أي وقتٍ من الأوقات – حسب تقييم كاسلر وآخرون – . إذا أمعنا النظر بمشكلة الاكتئاب ذات الصلة بالمشاكل الشائعة الأخرى مثل اضطراب ما بعد الصدمة ، القلق المزمن ، الإدمان على الكحول والمخدرات ، يمكن أنْ يصل ذلك الرقم بسهولة إلى 20 ، ولو دققنا أكثر بعوامل الاكتئاب الحاد الناتجة عن ضغوط الحياة مثل المشاكل الزوجية ، مشاكل الأبوة ، الإشكالات المالية ، البطالة ، ظروف العيش غير الآمنة ، وهلُّم جرَّاً ، يمكن أنْ يزداد ذلك الرقم أكثر وأكثر بكثير ! ) .

قالا : ( ولسوء الحظ ، فاللحظة الراهنة كذلك هي نقطة الاتصال مع الألم العاطفي الناتج عن أحداث الحياة السابقة أو الجارية . يمكن أنْ يكون هذا الألم ناتج عن صدمةٍ تعرضت لها وأنت طفلٌ أو بالغٌ ، سلسلةٌ من العلاقات الفاشلة أو من الطلاق الذي جعلك تشك بنفسك ، والمشاكل المتزايدة مع الأطفال ، العمل المجهد أو ضعف المردود ، وهلُّم جرَّا ، مهما كان مصدر ألمك ) .

واعلم أن الاكتئاب ليس هو الحزن العادي لفقد عزيز أو فوت فرصة عمل ، أو خيبة أمل ، أو مرض ما يدوم أياماً قليلة أو أسابيع تُعدّ على الأصابع ، إنما الاكتئاب المرضي هو مرض حقيقي يجهل كنهه كثير من الناس ، بل وكثير من الأطباء أيضاً ..

إن الاكتئاب لا يوصف بأنه مرض إلا إذا استمر فترة طويلة ، الأسابيع تلو الأسابيع ، والشهور تلو الشهور ..

إذاً الحزن العادي ليس هو الاكتئاب ، وإن ما يميزه عن الحزن العادي الأمور التالية :

  • أن الاكتئاب أشد معاناة وحدة .
  • أن أطول مدة ( 6 – 9 ) شهور حتى يشفى تلقائياً أو يعالج .
  • يعوق المرء عن أعماله بشكل واضح .
  • يعطل علاقات الفرد الاجتماعية .
  • هبوط المعنويات الشديد ، وأفكار الموت ، والعدم والفناء .
  • انقلاب عادات المريض ، وفقد المتعة بالأشياء التي كانت ممتعة سابقاً .

وينبغي أن يُعلَم أيضاً أن عدم الإصغاء للمريض أو إخفائه مرضه يزيد من حدة المرض ، وكذلك عدم تصديق ما يعاني منه يزيد من الاكتئاب .. فمريض الاكتئاب كالغريق هو بحاجة إلى سبَّاح ماهر ينتشله ، وإن لم يوجد فحبل يتمسك به ويخرج إلى بر الأمان ، وعليه عندما تقول لمريض الاكتئاب : ليس بك حاجة .. إنك بصحة جيدة .. كأنك تغرقه ، وهو كقولك للغريق : ما بك شيء إنك تسبح ليس إلا .. بل يجب أن تقول : يا أخي اذهب إلى الطبيب .. وإن مرضك سيشفى إن شاء الله .. وإن فلان شفي .. وفلان شفي .. وغيرها من العبارات المشجعة التي تساعد على رفع معنويات المريض .

مساكين حقاً هم مرضى الاكتئاب ، فهم يعانون آلاماً نفسية مبرِّحة وعذاباً داخلياً لا يُحتمل ، ولكن دون أن يشعر بهم أحد ! فرفقاً بهم ..

  • أعراضه :

يمكن أن تشتمل أعراض الاكتئاب على ما يلي :

الشعور الدائم بالإحباط أو التعاسة .

التشاؤم واليأس .

سرعة الانفعال والتجهم .

عدم الاكتراث .

عدم الاستمتاع بكل النشاطات والهوايات المعتادة ، فالأنشطة السَّارَّة السابقة من رياضة وسهر ومشاهدة تلفاز فلم تعد تعني له شيئاً ؛ فتراه جالساً وظهره منحنٍ يتكلم بتراخٍ وبطء .. يهمل نظافته ويطيل شعره وأظافره .

ضعف النشاط الحركي والخمول .

يتمنى الموت .

ما يُحسّ للحياة طعم .

يفكر في الانتحار .

الحزن .

البكاء .

العزلة .

فقدان الشهية أو فرط الأكل ، مما يسبب عنده نقصان الوزن أو زيادته .

أرق – صعوبة الخلود إلى النوم ، والنوم المتقطع – .

ضعف التركيز وتشتت الذهن .

ضيق الصدر .

التنهّد .

التعب والارهاق .

الاستياء ولوم الذات ، يسيطر على المريض مشاعر الاستياء من الحياة ، يصفون أنفسهم دوماً بالفشل رغم أنهم ناجحون في حياتهم وكثيراً ما يطغى على الصفحة لوم الذات ، حيث يشعر أن يعاقب على أعماله .. ويبالغ في تذكر الأمور السيئة في حياته ويجترها باستمرار ، ويعتبر أن غضب الله واقع عليه ، وأنه عرضة للعذاب والانتقام من ربه ..

فقدان الرغبة الجنسية أو ضعفها .

فهذه بعض أعراضه ، وليس شرطاً أن تظهر جميع هذه الأعراض في مريض الاكتئاب ، بل ظهور بعضها دون بعض كافٍ في تشخيصه بالاكتئاب .

إن الاكتئاب أنواع وأشد أنواع الاكتئاب ، هو اكتئاب الهوس ثنائي القطب ( الاضطراب الوجداني ) ، وإن كان أقلها انتشاراً ، في هذا النوع من أنواع الاكتئاب ، يتناوب على المريض طوران مختلفان ، بل هما على طرفي نقيض من الانطلاق والانعتاق والمرح الغامر والنشوة العارمة والفعالية النفسية المرتفعة ، وطور آخر من الهمود والانحطاط تشبه أعراضه أعراض ما ذكرناه سابقاً التي هي أعراض الأنواع الأخرى من الاكتئاب .

الطور الأول هو طور الهوس ، ويستمر حوالي ثلاثة شهور ، والطور الثاني طور الاكتئاب والهمود ، ويستمر حوالي ستة شهور .

أعراض الطور الأول ( طور الهوس ) :

  • ارتفاع المزاج وابتهاجه : حيث يكون المريض في حالة من المرح والفرح الغامر والسعادة التي لا توصف ، وابتهاج قلَّ نظيره ، وحالته تصبح مؤثرة في الآخرين ومعدية لهم ، وترى المريض يقحم نفسه في عدد كبير من النشاطات دون أن يتمَّ أي منها ، ويصبح لدى المريض رغبة ملحة وميل لا حدود له لإقامة العلاقات الاجتماعية ، وحماس كبير للاختلاط بالناس ، وكثيراً ما تترقى تلك الحماسة إلى حالة من العدوانية وحب الخصام ، ومحاولة إيذاء الآخرين .
  • فرط الفعالية : ترى المهووس يتحرك بفعالية شديدة ، وقد يجد صعوبة في الجلوس والاسترخاء ، وتكثر لديه المشاريع الاقتصادية والمالية ، ولكنه كما قلنا ينتقل من عمل إلى آخر دون أن يتمه .. كما يقوم بإجراء علاقات مشوشة مع عدد كبير من الناس دون أن يتمها ، كما يقوم باتصالات بالناس حتى في آخر الليل دون أن يدرك الطبيعة غير المناسبة لذلك العمل ، كما قد يصاب بجنون العظمة وخطأ المحاكمة ، مما يدعوه للتهور والاعتداء على من يعارضه ، وقد يتعرف بسرعة على الغرباء ، ويحاول إقامة مشاريع زائفة معهم .
  • تسارع الكلام : يتكلم المريض المهووس بصوت عالٍ ، ويطرح النكات دون ضابط ، ويستعمل هؤلاء المرضى أحياناً الكلمات المُلغَّزَة ، وكثيراً ما تتطور أمورهم إلى الغناء والصفير والسجع والكلمات الرَّنَّانة الطَّنَّانة دون معنى .
  • نقص الرغبة في النوم : حيث يصبح قليل النوم ، ينام متأخراً ويستيقظ باكراً ، ولا تتجاوز فترة نومه ( 3 إلى ه ) ساعات ، وقد يبقى دون نوم لأيام عديدة .
  • الشرود : يكون المريض سريع الشرود ، ولا يستطيع التركيز معك في أثناء الحديث عن موضوع واحد ، بل يتحول إلى موضوع آخر دون أن يتم الأول ، ولا يتمه أيضاً بسبب الشرود ، ويعجز عن إعطائك جملة مفيدة .
  • الاعتزاز بالذات : وهي نتيجة طبيعية لارتفاع المزاج والامتلاء بالحيوية والحماس .. فتراه معتزاً بنفسه ، يبرز لديه إحساسات العظمة والثقة المُفْرِطة ، حيث يدعي الكثير من المهووسين بأنهم خبراء بكل شيئ ، فإذا تحدث الناس بالطب أظهر أنه يفهم ممارسة الطب ، وإن تحدث الناس عن الهندسة الإلكترونية وهندسة الديجيتال والكمبيوتر تحدث عن ذلك ، بل واشترى الكتب والمراجع عن الإلكترونيات ليحاجج بها ، وهذه الحالة كثيراً ما تتطور إلى توهُّمات حقيقية ، حيث يدَّعي أنه يخاطب ويسمع الشخصيات العظيمة السابقة واللاحقة والسياسية .. وأحياناً يدَّعي سماع صوت الأنبياء والوحي .
  • سرعة تبدُّل المزاج : وهي تتصف بالتبدل السريع من المرح والبهجة إلى الغضب والاكتئاب ، وربما ينتحر في هذا الطور قبل أن يأتي طور الاكتئاب .
  • الإهلاس : وهي أن يسمع المصاب أصواتاً وهمية ، بل ويرى صوراً وهمية ، ويطلع عليك يومياً وهو يقول : إنه يسمع كلام الله مباشرة .. وتارة يقول : إنه يرى الأنبياء ، وتارة كبار المصلحين والعظماء ، وكثيراً ما يخرج على الناس كدعيٍّ يدَّعي أنَّ الله أوحى إليه بإصلاح العباد والعياذ بالله ..

هذا غيض من فيض عن الطور الأول أو القطب الأول ( الهوس ) والذي يتطور – إن لم يعالج – إلى همود شديد ، أو إلى القطب الآخر لهذه المتلازمة التعيسة ، حيث يصبح خاملاً لا يتحرك ، بَرِم المزاج ، يفقد الثقة في نفسه ، يبطؤ كلامه وينخفض بشدة ، يؤنب نفسه يبكي حظه ، والذي يراه في هذا الطور يشعر وكأنه أتعس إنسان على وجه الأرض ، وفرط الفعالية الجنسية التي كانت في الطور الأول تتحول إلى برود جنسي شديد في هذا الطور ، يفقد الشهية ، يفقد كثيراً من وزنه ، ينهار على نفسه ، يتعب بسرعة بعد أن كان لا ينام إلا قليلاً ، يظهر عليه أعراض جسدية متنوعة ( خفقان ، لهاث ، تنميل أطراف .. ) يفقد اهتمامه بكل شيئ ، يستغرق في أفكار الموت والفناء وينحصر تفكيره في البلى وأصحاب القبور ، كما يفقد ثقته بالمستقبل بعد أن كان يجاهر بالتفاؤل به . كل شيئ أصبح معكوساً .. إنه القطب الآخر لهذا المرض العجيب الغريب !

هذا المرض غالباً ما يشيع بين المبدعين والعباقرة .. وممن عانى من هذا النوع ؛ تشرشل فكان مصاباً بمتلازمتة الاكتئاب الدوري الهوسي الهمودي ( الاكتئابي ) حيث كانت تأتيه نُوبٌ من النشوة والانطلاق لا يعود يتوقف معها عن الكلام ، وأحياناً أخرى يقع ضحية الاكتئاب والتشاؤم والهلع .

ومنهم : فان كوخ ؛ الرسام الهولندي والعبقري الشهير الذي عاش بين عامي 1853 – 1890 ، فقد كان يتأرجح بين الابتهاج والمرح والحماس وحالة من البؤس العميق واليأس القاتل .. وقد أُدخل فترة إلى أحد المصحَّات ، وعشيَّة عيد الميلاد عام 1888 قطع جزءاً من أذنه اليسرى ، ثم انتحر بإطلاق النار على نفسه في تموز عام 1890 م .

ومنهم : بولتزمان ؛ تبين أنه مصاب بالمتلازمة الهوسية الاكتئابية أو الاضطراب ثنائي القطب .. وفي الفترة الهوسية كان مبدعاً معمليَّاً ، ثم ينهار على نفسه بعد ذلك في النوبة الاكتئابية حتى انتحر .

ومنهم : آرنست هيمنغواي ؛ الروائي الشهير صاحب رواية ( الشيخ والبحر ) و ( الفردوس المفقود ) الشهيرتين ، فقد عانى نوبات متكررة من الاكتئاب والإدمان الكحولي ، ولم يخضع للعلاج الدوائي ، فعولج أخيراً بالجلسات الكهربائية ، وأخيراً انتحر عام 1956 م حين أطلق النار على رأسه .

هذا ويتميَّز المبدعون عن الناس العاديين بأنهم رغم إصابة الكثير منهم بالاكتئاب فإنهم جديّون مثابرون وصابرون على ما أصابهم .. وقد استمروا بالنشاط والإبداع رغم أنَّ الاكتئاب كبَّلَ غيرهم من الناس العاديين ، وأوشك أنْ يدمّر حياتهم .. ( 1 ) .

 

المراجع :

  • الاكتئاب : قصة الصراع بين اليأس والأمل : د ؛ أكرم أحمد إدريس .
  • عالج نفسك من الاكتئاب والقلق : د ؛ ساندرا كابوت .
  • دليل عمل تركيز الانتباه والقبول لعلاج الاكتئاب : د ؛ كيرك ستروساهل . د ؛ باتريسيا روبنسون .

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن